في يوم الجمهورية، تحتفل الهند باعتماد دستورها، ذلك الوثيقـة التي وعدت كل مواطن بالكرامة والأمان والمساواة. تسير العروض في الشوارع الواسعة، وتستحضر الخطب مفاهيم العدالة والحقوق، وتُكرَّم فكرة الجمهورية علنًا. غير أنّ إلى جانب هذا الاحتفال تقبع حقيقة مقلقة. فالمجتمع الذي كُتب الدستور من أجله ليس هو المجتمع الذي نعيش فيه اليوم. وقد اتّسعت الفجوة بين الوعد الدستوري والتجربة المعيشة إلى حدٍّ بات يبتلع الأرواح.
إن وفاة يوفراج ميهتا في نويدا تُجبرنا على مواجهة هذه الفجوة. فقد وُصفت وفاته سريعًا بأنها حادث، لكن هذه الكلمة تُخفي أكثر مما تُفسِّر. ما جرى له كان نتيجة قرارات اتخذتها مؤسسات وسلطات وجهات خاصة عبر الزمن. لقد فشل النظام في مواضع عديدة، وعندما تفشل الأنظمة على نحوٍ متوقَّع، لا يمكن إسقاط المسؤولية باعتبارها مجرّد سوء حظ. النظام هو من قتل يوفراج ميهتا. وهذا ليس استثناءً؛ إنما صار مرئيًا هذه المرة فقط.
لقد صيغ الدستور على افتراض أن السلطة العامة ستعمل بحسن نية، وأن المؤسسات ستنضج تدريجيًا. افترض أن الطرق ستكون آمنة، وأن الأشغال العامة ستخضع للتنظيم، وأن الدولة ستتدخل عندما تكون حياة المواطن في خطر. كانت هذه الافتراضات منطقية في مجتمع يقدّر ضبط النفس والمساءلة والخشية من العواقب. أما اليوم، فهي تحت ضغط شديد. فقد غيّرت وتيرة التحضّر السريعة، والبناء غير المنضبط، والتطبيع الصامت مع الفساد، ملامح الحياة العامة.
تروي طرق الهند هذه القصة بوضوح. لم تعد مجرد مسارات للحركة، بل غدت فضاءات دائمة لعدم اليقين. ويُتوقَّع من المواطنين أن يتعاملوا مع الخطر بوصفه مهارة يومية. إن قبول الفوضى هذا ليس بلا ثمن. فعندما تصبح السلامة خيارًا، تغدو الحياة قابلة للمساومة. إن غياب أبسط معايير السلامة المرورية يعكس تساهلًا أعمق مع مخاطر تُفرض على الناس دون موافقتهم.
وجوهر هذه المأساة أن الحفرة التي أودت بحياة يوفراج ميهتا لم تظهر بين ليلة وضحاها. وُجدت لأن أعمال البناء سُمِح لها بالمضي دون ضمانات، ولأن آليات الرقابة آثرت الصمت على التطبيق. يحفر البنّاؤون، وتوافق السلطات أو تتجاهل، وتذوب المسؤولية في الأوراق. ليست هذه إخفاقات معزولة؛ بل نمط تتبدّل فيه الأماكن العامة تدريجيًا إلى أخطار. مثل هذه المصائد التي صنعها الإنسان تنتشر في المدن والبلدات، تنتظر بصمتٍ أن يسقط فيها أحد.
تطرح هذه الحقيقة سؤالًا مقلقًا حول البنية الديمقراطية في الهند. فالسلطة التشريعية تضع القواعد، والتنفيذية تطبّقها، والقضائية يُفترض أن تحمي الحقوق. وحين تزدهر ممارسات البناء غير الآمن، وتغدو المخالفات أمرًا اعتياديًا، ولا يُحاسَب أحد بعد فقدان الأرواح، تبدو هذه الأعمدة قائمة في الشكل لكنها خاوية في الجوهر. تعيش الديمقراطية شكلًا، وتفشل وظيفةً. يعد الدستور بالحماية، بينما تُفضي الحوكمة إلى تعريض الناس للخطر.
وما تلا الحادث عمّق هذا القلق. فقد ظل يوفراج ميهتا حيًا لأكثر من ساعتين وهو يطلب المساعدة. كانت الشرطة وفرق الإنقاذ في المكان، لكنها لم تستطع التحرك بفاعلية. لم يكن ذلك إخفاقًا في المعدات أو التقنية فحسب، بل في الجاهزية، والثقة، ووضوح المسؤوليات المؤسسية. إن خدمات الطوارئ وُجدت تحديدًا لمثل هذه اللحظات؛ وعندما تتردّد، تنفلت الحياة.
هذا الشلل مألوف لكثير من الهنود. فكثيرًا ما تكشف الحوادث والطوارئ الطبية والكوارث عن أنظمة تصل إلى الموقع لكنها لا تُنقذ، تُراقب ولا تتدخل بحسم. يتقدّم الخوف من المسؤولية، ونقص التدريب، والارتباك الإجرائي على الإلحاح الإنساني. ويتعلّم المواطنون أن النجاة تظل غير مؤكدة حتى حين تكون المساعدة قريبة.
يدعونا يوم الجمهورية إلى التأمل، لا إلى الاحتفال وحده. ويسألنا عمّا إذا كان الدستور الذي نُجِلّه يُجَلّ في الممارسة أيضًا. فالوثيقة ما تزال قوية، لكن نجاحها مرهون بالمجتمع الذي يحيا بها. وعندما يشكّل الفساد مسار التنمية، وتُعامل السلامة بوصفها إزعاجًا، وتتجنّب المؤسسات المساءلة، تضعف القيم الدستورية على أرض الواقع.
السؤال المطروح ليس ما إذا كان الدستور قد فشل، بل ما إذا كنا قد ابتعدنا كثيرًا عن المجتمع الذي تصوّره. لا يمكن لجمهورية أن تعمل حين تمتلئ الحياة العامة بأخطار خفية وبلا مبالاة رسمية. ولا يمكنها أن تزدهر حين تُزهق الأرواح بسبب مخاطر كان يمكن منعها وتجاهلها.
لا ينبغي أن تُذكر وفاة يوفراج ميهتا بوصفها استثناءً مأساويًا. بل يجب الاعتراف بها إنذارًا. فالنظام الذي قتله يعمل بصمت كل يوم. وفي معظم الأحيان، تظل ضحاياه غير مرئية. في يوم الجمهورية هذا، أقلّ ما ندين به للدستور هو الصدق. علينا أن نسأل أنفسنا: كم من هذه المصائد تحيط بنا؟ وكم من الأرواح سيُفقد قبل أن تصبح المسؤولية أمرًا لا مفرّ منه؟
