درس من اليابان: كيف يمكن للهند أن تتجنب أن تصبح “مجتمع الرغبة المنخفضة”؟
في الثمانينيات، كانت اليابان رمزًا للكفاءة والطموح والقوة التكنولوجية.
أبهرت العالم بقطاراتها السريعة، وأجهزة الووكمان، ومعجزاتها الاقتصادية.
لكن اليوم، تواجه اليابان أزمة أعمق بكثير من مجرد تراجع في الناتج المحلي الإجمالي أو تقلبات على خرائط الجغرافيا السياسية.
إنها أزمة عاطفية.
مرحبا بكم في “مجتمع الرغبة المنخفضة”.
هذا المصطلح المقلق صاغه المفكر الاستراتيجي الياباني “كينيتشي أوهمي”، الذي وصف حالة ثقافية يبدأ فيها جيلٌ كامل بالانسحاب من الرغبات الأساسية للحياة — ليس فقط الرغبات العاطفية أو الجنسية، بل أيضًا الاجتماعية، والمهنية، والوجودية.
هذه ليست كسلاً. وليست ضعفًا في المهارات.
إنها إغلاق عاطفي جماعي.
وإذا كنت تعتقد أن هذا الأمر يخص اليابان فقط، فأعد التفكير — لأن بوادره بدأت تتسلل بهدوء إلى المدن الكبرى في الهند أيضًا.
ما هو “مجتمع الرغبة المنخفضة”؟
فكرة أوهمي لم تكن عن أنماط فردية، بل عن تحول مجتمعي عميق.
“مجتمع الرغبة المنخفضة” هو بيئة يعيش فيها الناس في وضع “البقاء فقط”، دون شغف أو هدف أو انخراط حقيقي بالحياة.
في اليابان، تظهر هذه الظاهرة من خلال:
-
عزوف الشباب عن الزواج أو العلاقات العاطفية،
-
نسبة كبيرة من الرجال والنساء لا يملكون تجارب عاطفية أو جنسية حتى بعد سن الثلاثين،
-
اختفاء الطموحات المهنية، واستبدالها بتجنب المخاطر،
-
انسحاب اجتماعي واسع النطاق.
هذا ليس استسلاماً — بل انسحاباً طوعياً من الحياة.
من الازدهار إلى الإنهاك: كيف وصلت اليابان إلى هنا؟
بعد الحرب العالمية الثانية، أعادت اليابان بناء نفسها من الصفر.
وبحلول السبعينيات والثمانينيات، أصبحت نموذجًا اقتصاديًا يُحتذى به.
ثم جاء عام 1991، عندما انهار سوق الأسهم والعقارات، ودخلت اليابان في ما يُعرف بـ “العقد المفقود” — والذي استمر في الواقع أكثر من 30 سنة.
توقفت الوظائف، وتراجعت الأجور، وتلاشت فرص الترقية.
وشهد جيلٌ كامل آباءهم يعملون ليل نهار، فقط ليفقدوا كل شيء فجأة.
وهكذا، نشأ جيل يخشى المخاطرة، ويهرب من المشاعر، ويتجنب الحلم.
النتائج الإنسانية: عزلة، انخفاض معدلات المواليد، وانسحاب مجتمعي
اليابان اليوم تواجه واقعًا صعبًا:
-
معدل الخصوبة لا يتجاوز 1.26 طفل لكل امرأة — أقل بكثير من معدل الاستبدال البالغ 2.1،
-
أكثر من 40% من الأشخاص في الثلاثينيات من العمر لم يدخلوا في علاقات عاطفية،
-
الزواج أصبح في كثير من الأحيان بلا علاقة جسدية،
-
العزلة أصبحت منتشرة لدرجة ظهور مصطلح “كودوكوشي” (الموت وحيدًا).
وبدلاً من الروابط الحقيقية، يلجأ الكثيرون إلى بدائل:
صديقات افتراضيات بالذكاء الاصطناعي، شخصيات أنمي، وخدمات “العناق المدفوع”.أين تقف الهند؟
للوهلة الأولى، قد تبدو الهند في الاتجاه المعاكس:
شباب نشط، متوسط عمر السكان 28 سنة، ومجتمع يحتفي بالعائلة والمناسبات والتواصل الإنساني.
لكن تحت السطح، خاصة في المدن الكبرى، تظهر إشارات مشابهة:
-
انخفاض معدل الخصوبة الحضري،
-
تأخر أو رفض الزواج بين الشباب المهنيين،
-
انتشار مفاهيم مثل “الاحتراق الوظيفي” و”الاستقالة الهادئة”،
-
القلق العاطفي، والانعزال، وفقدان الأهداف طويلة الأمد.
لم تصبح هذه الظاهرة وباءً بعد — لكنها تتوسع ببطء.
السياق العالمي: ليست اليابان وحدها
-
كوريا الجنوبية الآن لديها أدنى معدل خصوبة في العالم: 0.72،
-
في أوروبا الغربية، رغم الدعم الحكومي، يختار العديد من الشباب عدم الإنجاب خوفًا من التكاليف العاطفية أو للحفاظ على الحرية الشخصية.
الهند لا تزال تملك شيئًا ثمينًا: “بنية تحتية عاطفية حقيقية”.
لكنها قد تنهار إذا لم نحافظ عليها.
مفترق طرق: الشغف أم الانفصال؟
لدى الهند أكبر قوة عمل شابة في العالم،
لكن أيضًا يزداد فيها الإدمان الرقمي، والتعب العاطفي، والانعزال الاجتماعي.
السؤال الذي يجب أن نواجهه هو:
هل سنصبح مثل اليابان؟
أم سنرسم طريقًا جديدًا بأنفسنا؟
لأن الأمة التي تفقد شغفها،
لا تفقد سكانها فقط — بل تفقد روحها.
الحل: اليابان درس يجب أن نتعلم منه — لا أن نكرره
-
إعادة تعريف الرغبة
الرغبة ليست فقط المال، أو الجنس، أو النجاح.
بل هي الطاقة التي تدفعك لتعيش بعمق، وتحب، وتبدع.
يجب أن نُحييها، لا أن نخجل منها. -
تطبيع الصحة النفسية
اليابان جعلت الألم النفسي شيئًا مخجلاً.
الهند يجب أن تجعل دعم الصحة العقلية جزءًا من الحياة اليومية — في المدارس، الجامعات، وأماكن العمل. -
تشجيع العلاقات الحقيقية
وسائل التواصل لا تُغني عن العلاقات الحقيقية.
نحتاج إلى صداقات، وحوارات عميقة، ومجتمعات متصلة فعليًا. -
دعم استقرار الشباب اقتصاديًا
لا يمكن المخاطرة عاطفيًا إن لم تكن آمنًا ماليًا.
يجب توفير حماية للعمال المستقلين، والمبدعين، والعاملين بنظام العمل الحر. -
إعادة إحياء “الهدف من الحياة”
ثقافتنا مليئة بقصص التضحية، والخدمة، والمعنى.
لنُذكر الشباب أن الحياة ليست سباقًا، بل رسالة.
لا تنمُ فقط — بل توهّج
لطالما ظننا أن التقدم يعني: أسرع، أغنى، أكثر كفاءة.
لكن اليابان تُعلّمنا:
حتى أكثر المجتمعات تطورًا،
قد تبدو فارغة إذا نسيت كيف تشعر.
الهند لا تزال تتذكّر كيف تشعر.
فلنحافظ على ذلك.
شارك هذا المقال مع شخص يشعر بالتعب النفسي.
