بين عامي 2004 و2018، عشت في عالم تحكمه عقارب الساعة التي لا تتوقف وانفجارات مفاجئة من الأدرينالين. كان يوم الجمعة الأول من كل شهر شبه مقدس. ففي تمام الساعة 8:30 صباحًا بتوقيت نيويورك، كان مكتب إحصاءات العمل الأمريكي يصدر تقرير الوظائف غير الزراعية. كان رقمًا واحدًا، لكنه قادر على إطلاق سلسلة من التفاعلات في أسواق العالم. كان يخبرنا بعدد الوظائف التي تم إنشاؤها في الولايات المتحدة، باستثناء القطاع الزراعي. بالنسبة لمتداول مثلي، لم يكن هذا مجرد تحديث عن سوق العمل، بل كان بمثابة قياس مباشر لنبض أكبر اقتصاد في العالم وإشارة لما قد يحدث لأسعار الفائدة والعملات وحتى أسعار السلع.
كان الترقب قبل صدور التقرير مشحونًا بالكهرباء. كانت السيولة تختفي، وتتسع الفروقات السعرية، والجميع يراقب الساعة. في تلك اللحظات التي تسبق صدور الرقم، كنت تشعر وكأن الهواء يثقل. عندما يكون الرقم أعلى من التوقعات، يقفز الدولار، وترتفع عوائد سندات الخزانة، وأحيانًا تهبط أسواق الأسهم. وعندما يكون أقل من المتوقع، يحدث العكس. في تلك الأيام، كان اهتمامي منصبًا على تأثير الرقم على محفظة تداولي. لكن مع مرور الوقت، أدركت أن الأمر أكبر بكثير من مجرد محفز للتداول، بل كان حجر الأساس لفهم صحة الاقتصاد الأمريكي.
كانت هذه البيانات موثوقة. تستخدمها الحكومات لصياغة السياسات، والشركات لاتخاذ قرارات التوسع أو التريث، والمستثمرون لضبط محافظهم الاستثمارية. لم تكن مثالية، لكنها كانت مستقلة، وهذه الاستقلالية منحتها المصداقية. وكانت هذه المصداقية هي الغراء الذي يربط بين المعلومات واتخاذ القرار والثقة في النظام.
أما الآن، وأنا أتابع ما يجري في عام 2025، أشعر أن هذا الغراء يتعرض للاختبار. ففي الأسابيع الأخيرة، تحرك الرئيس دونالد ترامب بقوة ضد المؤسسة التي تصدر تقرير الوظائف غير الزراعية. فبعد صدور تقرير يظهر تباطؤًا حادًا في التوظيف، أقال مفوض مكتب إحصاءات العمل، واتهم البيانات بأنها مزيفة وذات دوافع سياسية، ورشح بديلًا معروفًا بانتقاده لأساليب المكتب واقتراحه إصدار البيانات ربع سنويًا بدلًا من شهريًا. كما تدور مناقشات حول نقل المكتب ليكون تحت وزارة التجارة، مما سيجعله أقرب إلى القيادة السياسية في البيت الأبيض.
بالنسبة لشخص كان يجلس على مكتبه يتداول بملايين الدولارات اعتمادًا على هذا الرقم، فإن الخطر واضح. إذا تأخرت البيانات أو تم تعديلها أو أصبحت تُرى على أنها خاضعة لتصفية سياسية، فإن الأسواق ستتعامل معها على أنها غير موثوقة. وقد يبدأ المستثمرون، محليًا ودوليًا، في إضافة علاوة مخاطر لأي أصول مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي، مما قد يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض للحكومة، وزيادة التقلبات في الأسواق، وتآكل مكانة الدولار كأكثر عملة موثوقة في العالم.
لكن التداعيات ليست اقتصادية فقط. ففي الديمقراطية، تشكل الإحصاءات الرسمية جزءًا من الواقع المشترك للشعب، وتسمح للناخبين بتقييم ما إذا كان الاقتصاد يتحسن أو يتدهور. وإذا تم التلاعب بهذه الأرقام، تتحول الانتخابات من منافسة للأفكار المبنية على الحقائق إلى منافسة للقصص المتعارضة، مما يضعف رابط الثقة بين المواطنين والدولة. وعندما تنهار الثقة في الإحصاءات الرسمية، يلجأ الناس إلى مصادر حزبية أو نظريات المؤامرة، وعندها يصبح إيجاد أرضية مشتركة لأي قضية أمرًا صعبًا.
بالنسبة للهند، ما يحدث في الولايات المتحدة الآن هو أكثر من مجرد خبر، إنه درس تحذيري. فبلدنا في طريقه ليصبح أحد أكبر اقتصادات العالم، ومع هذا النمو تأتي مسؤولية الحفاظ على مصداقية بياناتنا. يجب أن يظل المكتب الوطني للإحصاءات، الذي يصدر الأرقام الاقتصادية الرئيسية للهند، محميًا من الضغوط السياسية. ويجب إصدار التقارير في موعدها سواء كانت الأخبار جيدة أو سيئة. كما ينبغي أن تكون طرق جمع البيانات ومعالجتها متاحة للتدقيق العام بحيث يتمكن الاقتصاديون المستقلون من التحقق منها. ويجب على الهند أيضًا تشجيع وجود مصادر بيانات متعددة، بما في ذلك المسوح الخاصة والأكاديمية، حتى لا تصبح مؤسسة واحدة الحكم الوحيد للحقيقة.
ومن المهم أيضًا إعداد هياكل قادرة على الصمود أمام الدورات السياسية. قد يعني ذلك سن قوانين تمنح الهيئات الإحصائية استقلالية تشغيلية، كما هو الحال مع بنك الاحتياطي الهندي في السياسة النقدية. وقد يعني ذلك وجود أمين مظالم إحصائي مستقل يمكنه التعامل مع مخاوف نزاهة البيانات. وقد يعني أيضًا إتاحة البيانات الخام المجهولة للعامة حتى تتمكن المؤسسات البحثية من التحقق من الاستنتاجات الرسمية.
عندما أتذكر أيام التداول، تبرز حقيقة واحدة: يمكن للأسواق أن تتعامل مع الأخبار السيئة، لكنها لا تستطيع التعامل مع عدم اليقين بشأن ما إذا كانت الأخبار صحيحة. والديمقراطيات كذلك. يمكن للناس أن يقبلوا بالحقائق القاسية إذا اعتقدوا أن هذه الحقائق صادقة. إن الاضطراب الحالي حول تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة يذكرنا بأن المصداقية ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي أصل وطني. وبمجرد أن تتضرر، فإن استعادتها سيكون بطيئًا ومكلفًا.
إن شباب الهند سيرثون مهمة بناء مؤسسات تدوم أطول من أي حكومة. وفي سعينا للنمو السريع، يجب ألا ننسى أن مصداقية إحصاءاتنا لا تقل أهمية عن الأرقام نفسها. إذا استطعنا حماية هذه الثقة، فسوف نحمي اقتصادنا وديمقراطيتنا معًا، وسيكون ذلك أكثر قيمة من أي بيان بيانات أو حركة سوقية قمت بتداولها في حياتي.
