الصين تحظر تخزين الرماد البشري في الشقق السكنية لمواجهة ارتفاع التكاليف والتحضر
تتجه الصين نحو حظر تخزين الرفات المحروقة في الشقق السكنية، بهدف تنظيم ممارسات الجنازات وسط ارتفاع التكاليف وضغوط التحضر وتزايد شيخوخة السكان.
تستعد الصين لتطبيق قانون جديد لإدارة الجنازات يحظر استخدام الشقق السكنية لتخزين الرفات المحروقة، وهي ممارسة نمت في السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع تكاليف الدفن وتقلص مساحة المقابر. تعكس هذه الخطوة تحديات أوسع تواجه البلاد، بما في ذلك التحضر السريع والتغيرات الديموغرافية والضغط المتزايد على موارد الأراضي.
يحظر التنظيم الجديد، الذي قدمته الحكومة الصينية، صراحةً استخدام “المساكن السكنية خصيصًا لغرض تخزين الرفات المحروقة” ويقصر أنشطة الدفن على المقابر العامة المعينة رسميًا. كما يحظر القانون بناء المقابر أو دفن الرفات في مناطق غير مصرح بها، مما يشير إلى نهج أكثر صرامة في إدارة الجنازات واستخدام الأراضي.
يعد توقيت تطبيق القانون ذا أهمية خاصة، حيث يأتي قبل مهرجان تشينغمينغ التقليدي مباشرة، وهو حدث ثقافي رئيسي تزور خلاله العائلات في جميع أنحاء الصين قبور الأجداد وتنظف المقابر وتؤدي الطقوس لتكريم المتوفين. يؤكد المهرجان الأهمية الثقافية العميقة لممارسات الدفن في المجتمع الصيني، مما يجعل التنظيم الجديد حساسًا ومؤثرًا في آن واحد.
في صميم القضية تكمن الظاهرة المتنامية لما يسمى “شقق رماد العظام”، المعروفة محليًا باسم “غوهوي فانغ”. هذه وحدات سكنية أعيد تخصيصها كمساحات تذكارية خاصة حيث تحتفظ العائلات بجرار تحتوي على رماد الأقارب المتوفين. غالبًا ما تتحول هذه الشقق إلى بيئات شبيهة بالأضرحة، تضم الشموع والأضواء الحمراء والبخور والجرار المرتبة بعناية التي تعكس النسب الأجيالية.
يرتبط انتشار هذه الممارسة ارتباطًا وثيقًا بالتحضر السريع في الصين. فمع توسع المدن وتزايد الكثافة السكانية، أصبحت الأراضي المتاحة للمقابر التقليدية محدودة بشكل متزايد. وقد أدى هذا النقص إلى ارتفاع تكلفة قطع الأراضي المخصصة للدفن، مما جعلها باهظة الثمن بالنسبة للعديد من العائلات، خاصة في المراكز الحضرية الكبرى.
تعد تكاليف الجنازات في الصين من بين الأعلى في العالم، وتأتي في المرتبة الثانية بعد اليابان، وفقًا للمسوحات العالمية. وقد فرضت نفقات تأمين قطعة أرض في مقبرة، بالإضافة إلى خدمات الجنازة الإضافية، عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر. في المقابل، العقارات السكنية – خاصة وسط تراجع أخير في سوق العقارات
الصين تتصدى لظاهرة “شقق الرماد” بقانون جديد
أصبح سوق العقارات في الصين متاحًا نسبيًا بشكل أكبر.
شهدت أسعار العقارات في الصين انخفاضًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث تشير بعض التقديرات إلى تراجع يصل إلى 40 بالمائة بين عامي 2021 و2025. وقد عُزي هذا الانخفاض جزئيًا إلى تدابير السياسة الهادفة إلى كبح الاستثمار المضارب في سوق الإسكان، بما في ذلك موقف الحكومة بأن “العقارات للسكن وليست للمضاربة”.
ومع ذلك، كان لهذا التحول عواقب غير مقصودة. فمع تزايد القدرة على تحمل تكاليف السكن، بدأت بعض العائلات في شراء أو استخدام الشقق القائمة كمساحات تخزين طويلة الأجل للرفات المحروقة. وعلى عكس قطع الأراضي في المقابر، التي تُؤجر عادة لمدة 20 عامًا، تأتي العقارات السكنية بحقوق استخدام تمتد حتى 70 عامًا، مما يجعلها خيارًا أكثر ديمومة وفعالية من حيث التكلفة.
وقد ساهم هذا المنطق الاقتصادي، جنبًا إلى جنب مع الاعتبارات الثقافية، في انتشار “شقق رماد العظام”. فبالنسبة للعديد من العائلات، توفر هذه المساحات طريقة خاصة ومتاحة لتكريم أسلافهم دون التكاليف المتكررة والقيود المرتبطة بالمقابر التقليدية.
ومع ذلك، أثارت السلطات مخاوف بشأن تداعيات هذه الممارسة. فمن منظور تنظيمي، يؤدي استخدام المباني السكنية لأغراض غير سكنية إلى تعقيد التخطيط العمراني وسياسات الإسكان. كما يثير تساؤلات حول الصحة والسلامة والاستخدام المناسب للمساحات المعيشية.
يهدف القانون الجديد إلى معالجة هذه المخاوف من خلال تعزيز التمييز بين المساحات السكنية ومساحات الدفن. فمن خلال تقييد تخزين الرفات في المقابر المخصصة، تسعى الحكومة إلى توحيد ممارسات الجنازات وضمان رقابة أفضل.
تعكس هذه السياسة أيضًا الاتجاهات الديموغرافية الأوسع في الصين. تشهد البلاد أحد أسرع معدلات شيخوخة السكان في العالم. ففي عام 2025 وحده، سجلت الصين حوالي 11.3 مليون وفاة، بزيادة كبيرة عن 9.8 مليون في عام 2015. وفي الوقت نفسه، انخفضت معدلات المواليد بشكل حاد، حيث سجلت 7.9 مليون ولادة فقط في عام 2025.
وقد أدى هذا الخلل الديموغرافي إلى تكثيف الطلب على مساحات الدفن، مما زاد من تفاقم نقص قطع الأراضي في المقابر. ومع استمرار شيخوخة السكان، من المتوقع أن يزداد الضغط على البنية التحتية للجنازات، مما يجعل الاستخدام الفعال للأراضي والممارسات المستدامة أكثر أهمية.
واستجابة لهذه التحديات، بدأت بعض الحكومات المحلية في الترويج لطرق دفن بديلة. وقد قدمت مدن مثل شنغهاي
الصين: جدل حول حظر شقق رماد الموتى وتحديات الدفن البيئي
قدمت الحكومة إعانات مخفضة لخيارات “الدفن البيئي”، بما في ذلك الدفن في البحر والدفن العميق في الأرض، والتي تتطلب مساحة أقل من الأراضي وتعتبر أكثر استدامة بيئياً.
وقد أظهرت هذه المبادرات بعض النجاح. ففي عام 2025، سجلت شنغهاي عدداً قياسياً من عمليات الدفن في البحر، متجاوزة 10,000 حالة للمرة الأولى. ولا تقلل هذه الممارسات من استخدام الأراضي فحسب، بل تتماشى أيضاً مع الأهداف البيئية الأوسع.
وعلى الرغم من هذه الجهود، كان رد فعل الجمهور على حظر شقق رماد الموتى متبايناً. فقد اجتذب الموضوع اهتماماً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي مثل “ويبو”، حيث حصد ملايين المشاهدات ومجموعة واسعة من الآراء.
وقد أعرب بعض المستخدمين عن تشككهم بشأن جدوى تطبيق الحظر. وأثيرت تساؤلات حول كيفية مراقبة السلطات للامتثال، خاصة بالنظر إلى الطبيعة الخاصة للمساحات السكنية. وأشار آخرون إلى أن القضية الأساسية – ارتفاع تكاليف الدفن – لا تزال دون حل.
ويجادل النقاد بأنه بدون معالجة القدرة على تحمل التكاليف، قد يدفع الحظر العائلات ببساطة إلى البحث عن بدائل أخرى غير رسمية أو غير منظمة. ويشددون على الحاجة إلى حلول شاملة توازن بين التنظيم وإمكانية الوصول.
من ناحية أخرى، يسلط مؤيدو السياسة الضوء على أهمية الحفاظ على النظام والاتساق في التخطيط الحضري. ويجادلون بأن المساحات السكنية لا ينبغي إعادة توظيفها بطرق تتعارض مع استخدامها المقصود، وأن المقابر المخصصة توفر بيئة أكثر ملاءمة لممارسات إحياء الذكرى.
ويعكس هذا الجدل توتراً أوسع بين التقاليد والحداثة في المجتمع الصيني. فبينما تظل عبادة الأجداد وطقوس الدفن متجذرة بعمق في القيم الثقافية، فإن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية السريعة تعيد تشكيل كيفية تنفيذ هذه الممارسات.
وقد أدت التوسع الحضري، على وجه الخصوص، إلى تحويل الظروف المعيشية وأنماط الحياة، مما استدعى تكييفات في جوانب مختلفة من الحياة اليومية، بما في ذلك عادات الجنازات. ويمكن اعتبار ظهور شقق رماد الموتى أحد هذه التكييفات، مدفوعاً بالضرورة لا بالتفضيل.
ويمثل رد الحكومة، من خلال إدخال لوائح أكثر صرامة، جهداً لإدارة هذه التغييرات مع الحفاظ على النظام الاجتماعي. ومع ذلك، سيعتمد نجاح هذه الإجراءات على قدرتها على معالجة التحديات الأساسية، بما في ذلك القدرة على تحمل التكاليف، وإمكانية الوصول، والحساسية الثقافية.
وبالنظر إلى المستقبل، من المرجح أن تظل قضية ممارسات الدفن في الصين موضوع نقاش مستمر. ومع تزايد عدد السكان
الصين: حظر تخزين الرماد بالشقق يبرز تحديات الممارسات الجنائزية
مع استمرار شيخوخة السكان وتقدم التحضر، سيزداد الطلب على الحلول المبتكرة والمستدامة.
قد تلعب التطورات التكنولوجية والإصلاحات السياسية دوراً رئيسياً في تشكيل مستقبل إدارة الجنائز. يمكن للنصب التذكارية الرقمية، والدفن الأخضر، وغيرها من البدائل أن توفر طرقاً جديدة لتكريم المتوفين مع معالجة القيود العملية.
في الوقت نفسه، سيكون إشراك الجمهور ووعيه أمراً حاسماً لضمان قبول التغييرات وتنفيذها بفعالية. سيتطلب الموازنة بين التقاليد والاحتياجات الحديثة دراسة متأنية وصنع سياسات شاملة.
في الختام، يسلط قرار الصين بحظر استخدام الشقق السكنية لتخزين الرفات المحروقة الضوء على التفاعل المعقد بين الممارسات الثقافية والواقع الاقتصادي والتنمية الحضرية. وبينما تهدف السياسة إلى تنظيم وتوحيد الممارسات الجنائزية، فإنها تلفت الانتباه أيضاً إلى تحديات أعمق ستحتاج إلى معالجتها في السنوات القادمة.
بينما تتصدى البلاد لهذه القضايا، سيكون تطور ممارسات الدفن بمثابة انعكاس للتغيرات المجتمعية الأوسع، مقدماً نظرة ثاقبة حول كيفية تعايش التقاليد والحداثة في عالم يتغير بسرعة.
